
أمريكا والصين.. سباق بناء القواعد العسكرية
د. أيمن سمير
لا يقتصر التنافس بين الولايات المتحدة والصين على ملفات بحر الصين الجنوبي وتايوان وهونغ كونغ والتيبت وشينجيانغ، ولا تتوقف الخلافات بينهما على التنافس الاقتصادي وأسرار الشركات العملاقة، وحروب الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات وما يسمى «بالإكراه الاقتصادي» وحقوق الصيد في منطقة الإندو – باسيفك، بل دخلت واشنطن وبكين في صراع محموم في بناء قواعد عسكرية في كل مكان بداية من «الحدائق الخلفية» لكلٍّ من العملاقين، مروراً بتعزيز الشراكات الدفاعية مع مختلف الدول بما فيها جزر المحيط الهادئ وصولاً إلى تعزيز القواعد العسكرية سواء للجيش الأمريكي أو جيوش حلفائه الآسيويين.
هذا ما تراه وزارة الدفاع في كوريا الشمالية بأنه توجّه نحو تأسيس «نسخة آسيوية» من الناتو، خاصة في ظل اقتراب حلفاء أمريكا في شرق آسيا ومنطقة الباسيفك مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين واستراليا من عتبة إنفاق 2 % من الناتج القومي على الشؤون الدفاعية، وهي نفس النسبة التي شكلت هدفاً لحلف دول شمال الأطلسي «الناتو» منذ قمة ويلز عام 2014.
على الجانب الآخر، ترى الولايات المتحدة أن الصين تسعى لبناء قواعد عسكرية خارج البلاد ليس فقط في إفريقيا والشرق الأوسط، بل بالقرب من الأراضي الأمريكية نفسها، وما تزال الحسابات الأمريكية ترى في الوجود الصيني في كوبا التي تبعد 90 ميلاً فقط من ولاية فلوريدا الأمريكية، خطراً كبيراً على الأمن القومي الأمريكي.
فما هي أبعاد هذا السباق الجديد القائم على البقاء في «قواعد عسكرية» بالقرب من الطرف الآخر؟ وما هي أبرز المناطق التي يسعى كل طرف لبناء «قواعد عسكرية» فيها أو السعي للحصول على «امتيازات لوجستية وعسكرية» فيها؟
تنافس على القمة
توسع الصين والولايات المتحدة في بناء القواعد العسكرية، يؤكد أن كل بلد منهما يعتقد أنه الأقوى عالمياً، وأنه مستعد للدفاع عن هذا الاعتقاد بكل ما يملك، فالرئيس جو بايدن تعهد بأن القرن الحالي سوف يظل «قرناً أمريكياً» طالما هو في البيت الأبيض، بينما الصين ترى في مقاربتها السياسية وما تحظى به من قبول عالمي أنها مهيأة أكثر من أي وقت مضى لقيادة العالم برؤية صينية، فما هي الأسباب الأخرى لسعي كل من واشنطن وبكين لبناء مزيد من القواعد العسكرية؟
أولاً: الحرب الروسية – الأوكرانية
تنشر الولايات المتحدة نحو 225 ألف جندي في نحو 835 قاعدة عسكرية في 80 دولة حول العالم، لكن الحرب الروسية – الأوكرانية كشفت أهمية القواعد العسكرية لحلف الناتو في الجناح الشرقي للحلف أو ما يسمى بمجموعة «بودابست التسعة» التي تضم ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وبلغاريا ورومانيا وبولندا والتشيك وسلوفاكيا والمجر، ومنذ بداية الحرب في فبراير(شباط) 2022 توسعت القواعد العسكرية للناتو في هذا الجناح وتم نقل عدد كبير جداً من القوات الأمريكية والبريطانية والألمانية إلى قواعد في دول بحر البلطيق الثلاث والدول المجاورة لأوكرانيا، وزاد عدد الجنود الأمريكيين في القواعد الأوربية لنحو 100 ألف مقاتل، وعدد القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا يصل إلى نحو 119 قاعدة أكبرها قاعدة رامشتاين.
ويقول البنتاغون إن وجود هذه القواعد العسكرية هو من يحمي أوروبا من روسيا. كما تستخدم القواعد العسكرية الغربية حالياً لتقديم كافة أشكال الدعم العسكري لأوكرانيا مثل تدريب الجنود الأوكرانيين على الأسلحة الغربية. وتقوم الحسابات الأمريكية على أن نشر قواعد عسكرية أمريكية في شرق أسيا ومنطقة الإندوباسيفك على غرار ما حدث في أوروبا سوف يساعد الولايات المتحدة وحلفاءها الآسيويين للدفاع عن أنفسهم في مواجهة الصين وفق حسابات وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»
ثانياً: قواعد للتنمية والازدهار
تروّج الولايات المتحدة لنشر قواعدها العسكرية بأنها ليست قواعد عسكرية للحرب أو الصراع، بل إنها قواعد عسكرية هدفها «السلام والازدهار»، وتقول الولايات المتحدة إن لها 120 قاعدة عسكرية ونحو 50 ألف جندي في اليابان، ونحو 29500 جندي في 73 قاعدة عسكرية في كوريا الجنوبية، وإن التقدم الاقتصادي الياباني والكوري الجنوبي والنجاح الكبير الذي يتمتع به المجتمعان الياباني والكوري الجنوبي هو ثمرة مباشرة للسلام والاستقرار الذي أتاحته قواعدها العسكرية في البلدين.
ثالثاً: حماية الحزام والطريق
رغم أن الصين تنفي أنها تنوي بناء قواعد عسكرية خارجية، إلا أنها أعلنت منذ عام 2017 عن قاعدتها العملاقة في جيبوتي، وينظر دائماً للقواعد العسكرية التي تنوي بكين إقامتها، بأنها سوف تكون قريبة من مشروع البنية التحتية العملاق «الحزام والطريق» الذي دشنه الرئيس شي جين بينغ عام 2013.
قواعد أمريكية جديدة
تعمل الولايات المتحدة على التوسع في بناء عدد غير مسبوق من القواعد العسكرية، فوفق «منتدى معهد ريغان الوطني» فإن لدى الولايات المتحدة نحو 835 قاعدة عسكرية في العالم موزعة على 80 دولة، ورغم ذلك تتوسع الولايات المتحدة في بناء قواعد جديدة أو الوصول لقواعد قائمة بالفعل في دول أخرى لم يكن من حق الولايات المتحدة الوصول إليها من قبل، وتعمل الولايات المتحدة في الوقت الراهن على عدد من القواعد العسكرية في العالم ومنها:
1- الوصول لأربع قواعد عسكرية جديدة في الفلبين، حيث اعتمدت الولايات المتحدة على نص في اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك عام 2014 يسمح لها بزيادة عدد قواعدها العسكرية التي يستطيع الجيش الأمريكي الوصول إليها، وفي إبريل (نيسان) الماضي تمت زيادة القواعد التي يستخدمها الجيش الأمريكي في الفلبين من 5 إلى 9 قواعد، وكانت الفلبين سمحت للجيش الأمريكي باستخدام 5 قواعد عسكرية منذ عام 2016، والقواعد الجديدة قريبة للغاية من الصين، بما فيها قاعدة «أنطونيو باوتيستا» الجوية القريبة من جزر سبراتلي الصينية التي عليها خلاف بين الصين ودول بحر الصين الجنوبي
2- منذ سبتمبر(أيلول) عام 2020، وقّعت الولايات المتحدة اتفاقية مع سنغافورة تسمح للجيش الأمريكي بتمديد استخدام قاعدة سيمباوانغ التي تشرف على المحيطين الهندي والهادي.
3- زيادة القواعد العسكرية في جزيرة «غوام» في المحيط الهادئ، التي تعتبرها الولايات المتحدة قاعدة متقدمه لها في مواجهة الصين واعتراض أي صواريخ طويلة المدى، يمكن أن تطلقها الصين على الساحل الغربي للولايات المتحدة، وسبق للولايات المتحدة أن أعلنت أنها غيرت استراتيجيتها في جزيرة غوام، من جزيرة يمكن الدفاع عنها إلى جزيرة يجب القتال فيها، لهذا فجزيرة غوام تضم مقارّ لجميع فروع القوات المسلحة التي تتخذ من قاعدة أندرسن الجوية مقراً لها،خاصة الجناح 36 الجوي والذي يضم نحو 193 طائرة على مساحة نحو 18 ألف فدان، ويزيد من قيمة وأهمية القواعد العسكرية الأمريكية في جزيرة غوام أن الجزيرة تضم «قاعدة أبرا» البحرية وهي أبعد نفطة لارتكاز القوات الأمريكية شرق الساحل الغربي للولايات المتحدة.
4- استعداد الولايات المتحدة وفيتنام لتوقيع اتفاقيات جديدة خلال زيارة الرئيس جو بايدن المقبلة، ووفق عدد من الصحف الأمريكية فإن الولايات المتحدة سوف توقع اتفاقية شراكة جديدة مع فيتنام، سيكون من ضمنها جوانب عسكرية كثيرة مثل المناورات المشتركة، والوصول الأمريكي لقواعد عسكرية، وبيع أسلحة أمريكية متطورة لهانوي في ظل ما تراه واشنطن بأن حدة التوتر بين الصين وفيتنام، تتصاعد بعد الخلافات حول السيادة في بحر الصين الجنوبي، وسبق لفيتنام أن حصلت على حكم لصالحها من محكمة «التحكيم الدائمة» في لاهاي، لتأكيد حقوقها في استغلال مياهها في المنطقة الاقتصادية الحصرية، لكن الصين رفضت تنفيذ هذا الحكم.
5- بناء قاعدة عسكرية أمريكية جديدة في اليابان في جزيرة غير مأهولة في محافظة «كاجوشيما» بجنوب غرب البلاد، وذلك بهدف نقل التدريبات العسكرية الأمريكية إلى هناك، لاستخدامها في استقبال طائرات مقاتلة محمولة على حاملة طائرات، وسوف ينتهي العمل من بناء هذه القاعدة خلال 4 سنوات، حيث يجري بناء مدارج ومرافق تخزين الذخيرة، كما تعمل الولايات المتحدة على بناء قاعدة جديدة لتدريب الطائرات المقاتلة من جزيرة «إيووتو» في المحيط الهادئ على بعد نحو 1250 كيلومتراً جنوب طوكيو إلى جزيرة «ماجي» التي تبلغ مساحتها 8 كيلومترات مربعة. وكان الجيش الأمريكي يجري تدريبات على الإقلاع والهبوط في قاعدة «أتسوجي» بالقرب من طوكيو، ولكن تم نقل موقع التدريب إلى جزيرة «إيووتو» مؤقتاً في أوائل التسعينات من القرن الماضي بسبب شكاوى من الضوضاء من قبل السكان المحليين.
6- تبني الولايات المتحدة مع الحكومة الأسترالية قاعدتين جويتين في المناطق الجنوبية من أستراليا، بالإضافة إلى توسيع القواعد العسكرية في شرق البلاد، وتتميز القواعد العسكرية الأمريكية الجديدة في أستراليا بأنها كبيرة وضخمة جداً، وسوف تكون جاهزة لاستقبال القاذفات، كما يمكنها استقبال الغواصات والسفن الحربية الضخمة وحاملات الطائرات العملاقة.
قواعد عسكرية صينية
لا تتحدث الصين كثيراً عن نيتها في بناء قواعد عسكرية صينية في الخارج، لكن تقديرات البنتاغون تقول بأن الصين تسعى لبناء سلسلة من القواعد العسكرية في الخارج ومنها:
1- القاعدة الصينية في جيبوتي والتي أنشأتها الصين بالفعل منذ عام 2017.
2-إعلان واشنطن أن بكين تنوي بناء قاعدة عسكرية في كوبا. ورغم نفي الحكومة الكوبية والصين، إلا أن تقارير المخابرات الأمريكية أشارت أكثر من مرة إلى اهتمام الصين ببناء قاعدة عسكرية في الجزيرة، سوف تكون هي الأقرب إلى الأراضي الأمريكية، حيث المسافة بين الجزيرة وولاية فلوريدا لا تزيد على 90 ميلاً.
3- تأكيد الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، أن الصين تحاول بناء سلسلة من القواعد العسكرية على الساحل الغربي لإفريقيا، حتى تكون قريبة للغاية من الأراضي الأمريكية، وهو ما يعطى الصين ميزة استراتيجية جديدة بقدرتها على قصف ولايات الساحل الشرقي للولايات الأمريكية مثل نيويورك بعد أن كانت كل الخطط الأمريكية في السابق تقوم على حماية ولايات الساحل الغربي مثل هاواي وأوريغون من الصواريخ الصينية العابرة للقارات.
ووفق تقديرات الجنرال ستيفن تاونسند، فإن الصين تعمل على إنشاء ميناء بحري كبير قادر على استضافة الغواصات وحاملات الطائرات على الساحل الغربي لإفريقيا، ولتحقيق ذلك تتفاوض الصين مع كل دول الساحل الغربي الإفريقي ما عدا المغرب، وأن المفاوضات الصينية تبدأ من الشمال وصولاً إلى نامبيا أقصى الجنوب الغربي للقارة السمراء
4- تأكيد الولايات المتحدة أن الصين وقّعت اتفاقاً مع كمبوديا، على استخدام قاعدة «ريام» العسكرية من جانب الجيش الصيني، الذي قام بالفعل بتوسيع وتطوير هذه القاعدة، وفق ما قالت صحيفة «واشنطن بوست» في 6 يونيو(حزيران) عام 2022.
[email protected]




