هل فرنسا عنصرية فعلاً؟ | صحيفة الخليج
كتب- بنيمين زرزور:
لا يبعث تراجع أعمال العنف في فرنسا بعد الليلة السادسة على كثير من الأمل بألّا تتكرر، ما لم تشهد الخريطة السياسية تحوّلات جذرية تعيد لبعض الشرائح من الشعب الفرنسي الثقة بالنظام السياسي برمته، ناهيك عن تلبية المطالب الملحة لتلك الشرائح.
عكست المسميات التي أطلقت للتعبير عما يجري، منطلقات التفكير السياسي لجميع الأطراف، مثلما عكست طبيعة الحواجز التي باتت تفصل بين مكونات المجتمع المعاصر الذي يفتقر إلى التجانس ووحدة الرؤية التي تسود في ظل الشعور بالانتماء والهوية الوطنية، عندما تكون الأهداف القومية محددة وواضحة.
وقد شمل طيف تلك المسميات العديد من مفردات القاموس السياسي بين من رأى في الاحتجاجات «ثورة» ضد التفاوت الطبقي والتمييز، ومن نظر إليها من منظور اجتماعي بحت استند إلى موجات الهجرات القديمة – الحديثة من الدول الفقيرة نحو الجنة الموعودة التي كانت فرنسا نموذجها الشائع في أذهان طالبي اللجوء على الأقل. وبغض النظر عن المصطلحات، أكدت الأحداث أن هناك عالماً يتغير وربما بسرعة فاقت قدرة أو رغبة صناع القرار على مواكبة التغيير سواء كان عناداً، أو خوفاً على مصالح النخب المهيمنة في المجتمعات الليبرالية الغربية.
ولعل أكثر الجوانب المحبطة في حادثة قتل الشاب الفرنسي- الجزائري الأصل نائل في مدينة نانتير الأسبوع الماضي، هو معرفة تفاصيلها، هناك ولد من أصل شمال إفريقي يقتل على يد الشرطة بدم بارد، ثم تقرير كاذب من الضباط يلقي باللوم على الضحية، ما أشعل الغضب والاحتجاجات ومن ثم أعمال العنف.
الاضطرابات التي اجتاحت المدن الفرنسية لا تتحدث عن صدمة المحتجين، ولكن تثير غضبهم ويأسهم من أن مثل هذه الممارسات لا تزال تحدث. ذلك على الأقل ما يوحي به ردهم بالهجوم على مراكز الشرطة والمدارس والسيارات والترام في مدن مثل ليل وديجون وليون وتولوز، إضافة إلى ضواحي باريس. واقتضى الأمر نشر 45 ألف عنصر أمن في جميع أنحاء البلاد.
- بين الأمس واليوم
لكن الصورة الحديثة اختلفت مع صور سابقة. فعندما أدى صعق مراهقين بالكهرباء أثناء اختبائهم من الشرطة عام 2005، إلى أعمال شغب استمرت ثلاثة أسابيع، أدلى وزير الداخلية آنذاك، نيكولا ساركوزي، بتصريحات تشير إلى أن الضحايا كانوا لصوصاً، ما زاد من حدة التوترات. هذه المرة، وصف الرئيس ماكرون الحادث بأنه «لا يمكن تفسيره ولا يغتفر». بينما يخضع الضابط المسؤول لتحقيق رسمي بتهمة القتل الخطأ. الفرق الأكثر وضوحاً هو أن هذه الأحداث تم التقاطها بكاميرا الهاتف، ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يدحض الادعاء بأن الشاب البالغ من العمر 17 عاماً واجه الشرطة بالعنف. وشوهد ضابطان بجانب السيارة المتوقفة، أحدهما يوجه مسدسه نحو السائق. ويعرض الفيديو المشهد حيث يردد الضابط عبارة «سوف تصاب برصاصة في الرأس». ثم يبدو أن الضابط يطلق النار بينما كانت السيارة تتقدم للأمام.
بالنسبة لسكان الضواحي تعتبر مثل هذه اللقطات تأكيداً على حقائق تعشش في ذاكرتهم الجمعية مصحوبة بشعور غضب تراكمي. هؤلاء مصدومون أساساً بحوادث سابقة، منها حادثة اختناق أداما تراوري في حجز الشرطة عام 2016، وإطلاق الرصاص على جين بول بنجامين العام الماضي، وهو أب لطفلين. وتثير هذه الحوادث مزيداً من الحقد؛ لأن القانون الفرنسي لا يسمح بجمع البيانات عن العرق، ما قد يفضح التمييز بطرق أخرى مثلما حدث في الولايات المتحدة؛ حيث حفزت حركة «حياة السود مهمة» على أعمال عنف جماعية.
هناك أيضاً مخاوف خاصة بشأن التغييرات القانونية قبل ستة أعوام، والتي حذر منتقدوها من أنها وسعت معايير استخدام الشرطة للأسلحة النارية. فخلال عام 2022 قتل 13 شخصاً، وهو رقم قياسي، بسبب عدم الامتثال لأوامر شرطة المرور.
لقد صارت المظالم الاقتصادية التي كانت عوامل أساسية في التحريض على الاضطرابات السابقة، أقل أهمية في إثارة الغضب من عوامل مستجدة مثل التجاهل والاستبعاد والتمييز.
ويخشى الكثيرون في الضواحي على سلامة أطفالهم من الشرطة ومن الاضطرابات. كما أنهم قلقون بشأن كيفية استغلال مارين لوبان واليمين المتطرف بشكل عام للأحداث. ويدرك هؤلاء أن التغيير بات ملحاً، وأنه لا ينبغي أن يتطلب التغيير مزيداً من القتل، ولا توسيع نطاق الاضطرابات.
لكن عدد الحالات التي تبرهن على وحشية الشرطة يتزايد كل عام في فرنسا. يقول تقرير نشرته منظمة المدافعين عن الحقوق المدنية الفرنسية، إن الشباب الذين يُنظر إليهم على أنهم من السود أو من أصل شمال إفريقي أكثر عرضة لعمليات التحقق من الهوية من قبل الشرطة حوالي 20 مرة مقارنة بباقي السكان. ونددت المؤسسة نفسها بعدم وجود أي استئناف ضد التقرير الذي يصدر عن أجهزة الشرطة باعتباره شكلاً من أشكال التمييز المنهجي.
هذه المنهجية ليست طارئة، بل متأصلة في ذهنية الفصل العنصري. ففي عام 1999، دانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فرنسا البلد الذي يفترض أنه مهد حقوق الإنسان، بسبب التعذيب، بعد الاعتداء الجنسي على شاب من أصل شمال إفريقي من قبل الشرطة. وفي عام 2012، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش: «نظام التحقق من الهوية مفتوح للانتهاكات من قبل الشرطة الفرنسية. وتشمل هذه الانتهاكات عمليات تفتيش متكررة تنطوي أحياناً على الإساءة الجسدية واللفظية. واليوم، بعد مقتل نائل، حثت هيئة حقوقية تابعة للأمم المتحدة فرنسا على معالجة «المشاكل العميقة للعنصرية والتمييز العنصري» داخل وكالات إنفاذ القانون.
في كانون الأول/ديسمبر 2022، شجبت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري الخطاب العنصري للسياسيين وعمليات الشرطة للتحقق من الهوية، «التي تستهدف بشكل غير متناسب أقليات معينة».
والأسوأ من ذلك، أن قانوناً صدر في عام 2017 سهل لجوء الشرطة إلى استخدام الأسلحة النارية. ويمكن للضباط الآن إطلاق النار دون الحاجة إلى تبرير ذلك، بحجة الدفاع عن النفس. فهل هذه السياسة عنصرية؟




