
قمة غرناطة.. و«جوّال» ميلوني | صحيفة الخليج
كتب- بنيمين زرزور:
الحديث عن غياب الانسجام التام في العلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي ليس جديداً، لكن الجديد أن يتعداه إلى حدود الانقسام والتهديد بتفكيك الاتحاد في أكثر من مناسبة، وهو ما تبدى من خلال أعمال القمة الموسعة التي انعقدت في قصر الحمراء بغرناطة في إسبانيا مؤخراً.
زادت الحرب في أوكرانيا، التي تمثل صداعاً لا مفر منه، وما جرى في ناغورنو كاراباخ، وما يتردد عن توترات في كوسوفو، من عمق تصدعات الكتلة التي تبدو عاجزة عن التوافق حول مختلف القضايا المُلحة التي ينبغي وضع حلول عاجلة لها.
فقد سادت الفوضى أروقة المقر الذي عقدت فيه القمة الأوروبية الموسعة الأسبوع الماضي، والتي علقت عليها شعوب دول القارة الكثير من الآمال في ظل التوترات والظروف الاستثنائية التي تعيشها المنطقة.
وانتهت القمة التي شارك فيها 49 من القادة الأوروبيين ونوابهم، وعشرات من المساعدين وجحافل من الصحفيين، بالسخرية عندما فشل المجتمعون في تحقيق أي تقدم ملموس لحل الصراعات على أبواب أوروبا – أو أي قضية إقليمية أخرى.
وقد وصف المستشارون النسخة الثالثة من مشروع إيمانويل ماكرون المفضل، الجماعة السياسية الأوروبية، بأنها فرصة للتوسط في السلام بين أرمينيا وأذربيجان المتحاربتين، وتخفيف التوترات في البلقان، وإجراء محادثات استراتيجية حول أمن القارة.
وبينما احتشد القادة حول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي كان في غرناطة لإنعاش الدعم الأوروبي وسط مخاوف من توقف المساعدات الأمريكية لكييف، فشلوا في إحراز تقدم فيما يخص بؤر النزاع الأخرى في غياب اللاعبين الرئيسيين.
علييف وأردوغان يقاطعان
وتبددت آمال الحاضرين في اتخاذ خطوات لحل الأزمة الإنسانية في ناغورنو كاراباخ التي تقول الأمم المتحدة إن لاجئيها بحاجة إلى مئة مليون دولار كمساعدات إنسانية فورية، عندما قرر كل من إلهام علييف في أذربيجان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تجاهل القمة وعدم المشاركة في أعمالها. وكان الزعماء يأملون في استضافة أول اجتماع بين علييف ورئيس أرمينيا نيكول باشينيان منذ أن شنت أذربيجان هجوماً خاطفاً في الإقليم المتنازع عليه، أدى إلى نزوح جماعي لما زاد على 100 ألف لاجئ.
وكانت المحاولات الرامية إلى نزع فتيل التوترات بين كوسوفو وصربيا عقيمة بنفس القدر. فقد رفضت رئيسة كوسوفو فيوسا عثماني إجراء محادثات مع نظيرها الصربي ألكسندر فوتشيتش ما لم يتم فرض عقوبات على بلغراد، في أعقاب التوغل الصربي في كوسوفو.
وبلغ الشعور بعدم جدوى القمة غير الرسمية ذروته عندما ألغت الدولة المضيفة، إسبانيا، مؤتمراً صحفياً كان مقرراً في اللحظة الأخيرة، وهو الحدث الأبرز المتوقع في القمة لنحو 700 صحفي. وكان من المفترض أن يتضمن إصدار بيانات ويشهد رسمياً تسليم إدارة الجماعة السياسية الأوروبية من إسبانيا إلى بريطانيا.
ميلوني وهاتفها
وكان افتقار الزعماء إلى الحماس للقمة واضحاً منذ انطلاقتها، عندما لم يتمكن العديد من المدعوين من التوقف وتبادل بعض الأفكار مع حشود الصحفيين. وقدمت رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني صورة باهتة عن مدى اهتمام الزعماء باللقاء عندما تجولت في بهو المقر وهي تتحدث على هاتفها المحمول.
ولم يتحدث المستشار الألماني أولاف شولز ولا رئيس وزراء بريطانيا ريشي سوناك للصحافة. ولم يكن لدى إيمانويل ماكرون – صاحب فكرة إنشاء الجماعة السياسية الأوروبية – ما يقوله وهو في طريقه إلى الاجتماع.
ورداً على سؤال حول تعليق الولايات المتحدة المساعدات لأوكرانيا، وصف الرئيس الفرنسي مليارات الدولارات من الدعم الأمريكي بأنه «تكملة رائعة» لإسهامات الاتحاد الأوروبي، لكنه حذر من أنها «لا يمكن أن تحل محل التعبئة الأوروبية». لكن الرئيس، الذي كان وراء الفكرة الأصلية لأوروبا القوية الموحدة، تلقى أسئلة أقل من المعتاد من الصحفيين قبل الانضمام إلى القادة الآخرين في جولة مسائية بقصر الحمراء.
ورفضت الرئاسة الإسبانية توضيح سبب إلغاء المؤتمر الصحفي الرئيسي. ووفقاً لأحد الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، لم تكن هناك حاجة إلى الإدلاء ببيانات صحفية بسبب عدم وجود «قضايا جوهرية».
المهاجرون
أحد المواضيع الشائكة كان ملف الهجرة؛ إذ أُدرج على جدول أعمال هذه القمة في أعقاب التدفق الأخير للمهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية الصغيرة، ليذكر بالحاجة المُلحة إلى استجابة أوروبية.
وينظر رئيس الوزراء البريطاني، ريشي سوناك، الذي لم تتح لبلاده سوى فرص قليلة لمناقشة هذه القضية مع الدول الأوروبية منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى موضوع الهجرة من زاويته الخاصة وهو الذي تواجه بلاده اتهامات بسوء معاملة المهاجرين ومحاولات طردهم بطرق لا إنسانية.
وأسفر حديث جانبي بين سوناك وميلوني ورئيس وزراء ألبانيا إيدي راما، عن تعهدات بزيادة التعاون في تبادل المعلومات وعمليات مكافحة الاتجار في بلدان العبور والمغادرة.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي «لسنا خائفين من الإملاءات التي تأتي من بروكسل وبرلين». وكرر رفضه فرض نظام «لتوزيع المهاجرين غير الشرعيين» على بلاده، قبل عشرة أيام من الانتخابات التشريعية في بولندا التي يتوقع أن تشهد منافسة حادة.
وتعد هذه اللائحة الجزء الأخير من ميثاق الاتحاد الأوروبي للجوء والهجرة الذي سيتم التفاوض بشأنه مع البرلمان الأوروبي، تمت الموافقة عليها من قبل الدول الأعضاء بالأغلبية المؤهلة كما تنص المعاهدات، وليس بالإجماع كما تطالب بولندا والمجر. علماً أن الدولتين صوتتا ضد النص، بينما امتنعت النمسا وسلوفاكيا وجمهورية تشيكيا عن التصويت.
وفي حين كانت الكثير من دول القارة تراقب ما يمكن أن يسفر عنه لقاء القمة كمناسبة للم الشمل وتمتين الروابط في مواجهة التحديات التي تواجهها القارة على الصعيد الأمني، كانت الدول الفاعلة أقل حماسة لمناقشة تفاصيل مشروع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي الذي يعني أول ما يعنيه تحميل ميزانياتها التي أرهقتها الحرب في أوكرانيا المزيد من الأعباء في وقت تعاني فيه اقتصادات تلك الدول تعثراً مزدوجاً وهو نتيجة طبيعية لاقتصاد الحرب وتعطل سلاسل التوريد العالمية في ظل احتدام الخلافات.




