
عزل مكارثي.. النظام السياسي يتآكل
كتب- المحرر السياسي:
لم تكن حادثة عزل كيفن مكارثي من منصبه كرئيس لمجلس النواب مجرد تصفية حسابات حزبية، أو فئوية، ضمن واحدة من أرفع مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي مؤشر آخر ضمن سلسلة المؤشرات التي يرى فيها المراقبون إرهاصات الترهل المفضي إلى الخراب في منظومة العمل السياسي والإداري.
تصدّر اسم الرجل عناوين الأخبار وهو يغادر المجلس في حالة شلل. ولا شك في أن كيفن وجه كبير في عالم السياسة، وخطوته الواحدة يمكن أن تغيّر أشياء كثيرة.
لقد أحدث هذا الإجراء الأخير صدمة كبيرة للناس، خاصة أن البلاد مهددة بإغلاق حكومي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بينما تبذل الإدارة كل ما بوسعها لاستمرار تدفق المساعدات إلى أوكرانيا، وتواجه بؤر اضطرابات ساخنة أحدثها في الشرق الأوسط.
ولد كيفين مكارثي يوم 26 يناير/ كانون الثاني 1965 في بيكرسفيلد( كاليفورنيا). وهو سياسي أمريكي معروف شغل منصب الرئيس الخامس والخمسين لمجلس النواب الأمريكي في الفترة من يناير/ كانون الثاني الماضي، إلى أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
فوضى «جمهورية»
وبعد عزله تم تكليف باتريك ماكهنري، وهو جمهوري من ولاية كارولينا الشمالية، بمهمة المتحدث باسم المجلس الذي تناط به مسؤولية تنظيم انتخاب رئيس البرلمان الجديد. وهناك فرصة لمنح كيفن مكارثي سلطة محدودة المدة حتى يتمكن من إدارة المناقشة والتصويت على مشاريع القوانين العادية.
وكان مكارثي من أوائل مهندسي الأغلبية الجمهورية التي أدت إلى سقوطه. وتم التصويت على عزله من منصبه في مواجهة غير عادية، وهي الأولى من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة، بأغلبية 216 صوتاً مقابل 210 من قبل مجموعة من المحافظين اليمينيين المتشددين، ما أدخل مجلس النواب، وقيادته الجمهورية، في حالة من الفوضى.
لم يكن مكارثي متفرجاً على الاضطرابات التي كثيراً ما ميزت فترة ولايته في الكونغرس، وقد لعب خلال وجوده في منصبه نحو 20عاماً، دوراً محورياً في انتخابات عام 2010 التي أوصلت جيلاً جديداً من الجمهوريين من «حزب الشاي» للسيطرة على مجلس النواب.
وتزعّم الحملة وجنّد العشرات من الوافدين الجدد من المحافظين الذين وصلوا إلى السلطة.
دور مكارثي
وبفضل مهاراته في جمع التبرعات، ورؤيته الثاقبة في انتقاء المرشحين الفريدين، كان مكارثي هو الاستراتيجي الفائز في الحزب، مضيفاً الكثير إلى صفوف الجمهوريين حتى عندما كان ذلك يعني انتخاب شخصيات يمينية متشددة.
كان مكارثي جزءاً من الثلاثي الذي يطلق عليه اسم «يونغ غانز»، ويضم زعيم الأغلبية إريك كانتور، ورئيس البرلمان المستقبلي بول رايان، وكان لهم دور حاسم في مسيرة الحزب. وشهدت تلك السنوات تحركات حملة تطهير حزبية مستمرة، حتى يومنا هذا، ما ترك سؤالاً مفتوحاً حول من يمكنه قيادة الجمهوريين في مجلس النواب، إن كان هناك من يستطيع ذلك.
لم يكن مكارثي مُنظّراً أيديولوجياً، بل نصّب نفسه باعتباره جمهورياً من عهد رونالد ريغان، وجزءاً من جيل بلغ سن الرشد خلال رئاسته، وكان مفتوناً بالجانب المشرق من التجربة الأمريكية.
وقد منح الافتقار إلى أساس أيديولوجي راسخ في سياسات اليمين المتطرف، مكارثي مطرقة المتحدث عندما سعى إليها لأول مرة، بعد الإطاحة ببونر في عام 2015، حيث نظر إليه زملاؤه، المشرعون الجمهوريون، على أنه غير محافظ بما فيه الكفاية في أحسن الأحوال. ورأى آخرون أنه يعمل من دون بوصلة سياسية.
وعند تراجع الجمهوريين إلى وضع الأقلية مع تولي رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي المسؤولية، واصل مكارثي تجنيد دفعة من الجمهوريين عام 2022 لاستعادة السيطرة على مجلس النواب.
ومع حصوله على أغلبية ضئيلة، أجبرته حفنة من المعارضين من اليمين المتشدد على تقديم تنازلات من أجل المنصب، بما في ذلك القدرة على عزله من منصبه بسهولة أكبر.
وبعد الاستهانة به منذ البداية، نجح بشكل مفاجئ في تحقيق إنجازاته في لحظتين حاسمتين، حيث توصل إلى اتفاق ديون مع الرئيس جو بايدن، لتجنب التخلف عن السداد ومنع إغلاق الحكومة في نهاية الأسبوع قبل الماضي، الأمر الذي عرّضه للخطر.
لقد أصبح مكارثي «رجل الساحة النبيل»، وقال مازحاً ليلة الإطاحة به: «أنا أعطي بقدر ما آخذ». ولكنه كأسلافه، لم يكن نداً للجناح اليميني المتشدد الذي أصبح يهيمن على الحزب الجمهوري.
كان مكارثي يفخر كثيراً بإعادة فتح مجلس النواب هذا العام، بعد الإغلاقات التي تسبب بها الوباء، وبعد هجوم 6 يناير/ كانون الثاني 2021 على مبنى الكابيتول، كما يقول.
ولكن بعد تسعة أشهر من توليه المنصب، وهي واحدة من أقصر فترات رئاسة المجلس في التاريخ، فعلها الزعيم الذي قال إنه لن يستقيل أبداً، معلناً أنه لن يحاول استعادة المطرقة مع إغلاق مجلس النواب.
من يخلف مكارثي؟
قد يستغرق الأمر أياماً، أو أسابيع، للعثور على شخص يمكنه الحصول على دعم أغلبية مجلس النواب، وسوف يرث رئيس مجلس النواب المقبل كأساً مسمومة. ونظراً للغضب السائد في أوساط الحزب بسبب إقالته، فمن الصعب أن نتصور شخصية قادرة على توحيد كل تلك الفصائل المتحاربة.
ويرأس باتريك ماكهنري من ولاية كارولينا الشمالية مؤقتاً، القائمة السرية للقادة المؤقتين التي قدمها مكارثي عندما حصل على المنصب. وأعلن ستيف سكاليز من لويزيانا، وجيم جوردان من أوهايو، أنهما سوف يسعيان للحصول على المنصب.
وبدا أن بعض الديمقراطيين يستمتعون بالفوضى التي أثارتها إقالة رئيس مجلس النواب، لكن كانت هناك أيضاً قائمة من المظالم التي حالت دون حصوله على دعمهم. لقد شعروا بالخيانة بسبب تراجع مكارثي في الأيام التي تلت اقتحام مبنى الكابيتول، عندما دان دور دونالد ترامب في الهجوم بداية، ثم دعمه.
وهناك أيضاً قضايا مهمة يتعين على مجلس النواب معالجتها، في الأسابيع المقبلة، مثل الموافقة على ميزانية سنوية لتجنب الإغلاق، واتخاذ قرار بشأن المساعدات لأوكرانيا، وكيفية المضي قدماً في التحقيق في عزل جو بايدن. والأيام المقبلة ستوضح الكثير من خبايا الحراك السياسي في مؤسسات الديمقراطية التي يفترض أنها «نموذجية» على مستوى العالم. لكنها، على ما يبدو، لم تعد كذلك.




