أخبارالأخبار العالمية

الصين وأوروبا.. دبلوماسية الخطوط الساخنة

د. أيمن سمير

تسعى الصين لبناء «مسار جديد» مع الدول الأوروبية يتجنّب من خلاله الطرفان «الاستقطاب الحاد» الذي يشوب العلاقات الأمريكية الصينية في ظل «مصالح أوروبية صينية مشتركة» و«اعتمادية متبادلة» في سلاسل الإمداد، حيث سجلت التجارة بين الطرفين عام 2022 نحو 915 مليار دولار، وهو ما يُعدّ رافعة سياسية واقتصادية قوية للبحث عن حصانة ومناعة للحفاظ على هذه العلاقات من التدهور الذي يمكن أن يشوبها نتيجة التنافس بين واشنطن وبكين.

رغم نجاح الولايات المتحدة في زرع بذور الشك في مستقبل وديمومة العلاقات الأوروبية الصينية إلا أن هناك «طيفاً واسعاً» من الأوروبيين خاصة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا، يدركون أن الطفرة الكبيرة والازدهار الذي تمتعت به القارة العجوز خلال العقود الثلاث الماضية لا يعود فقط للغاز الروسي الرخيص، وإسناد المهام الدفاعية الأوروبية للولايات المتحدة، بل كان بسبب وصول الصادرات الأوروبية للسوق الصيني، والحصول على مدخلات الإنتاج الرخيصة من بلاد التنين.

مساحات التعاون والضغوط

تقوم «المقاربة الأوروبية» مع الصين على مجموعة من الخطوات، أبرزها اكتشاف «مساحات التعاون» المشتركة، وعدم الوقوع في «القناعات الخاطئة»، مع ضخ زخم جديد في «دبلوماسية الخطوط الساخنة»، عبر عدد من زيارات الزعماء الأوروبيين لبكين منهم المستشار الألماني أولاف شولتز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان دير لاين.

خصم يصل إلى 50% | عروض التصفية من أمازون

لكن على الجانب الآخر يقاوم الأوروبيين الضغوط الأمريكية التي تقول بأن مواصلة «الاعتمادية الأوروبية» على الصين يشكّل مخاطرة جديدة تتشابه مع «الاعتمادية الأوروبية» على الغاز والنفط واليورانيوم الروسي، كما أن الدول الأوروبية بدأت تخشى من التحذيرات الأمريكية حول التجسس الصيني على الشركات الأوروبية، وخطورة استحواذ الشركات الصينية على الأصول والشركات الأوروبية، والدعوة الأمريكية الصريحة لإيطاليا «للتخارج» من مبادرة «الحزام والطريق»، فضلاً عن المخاوف الأوروبية من النمو الصاروخي للأسلحة النووية الصينية، فهل تنجح الصين والأوروبيين في بناء «شراكة» تتجاوز الشكوك التي تروّج لها واشنطن؟ وإلى أي مدى يمكن للصين أن تكون «جسراً» للتقارب بين أوروبا وروسيا؟ وكيف يمكن أن تكون العلاقات الأوروبية الصينية «حاجزاً» لمزيد من التدهور في العلاقات الأمريكية الصينية؟

الاستقلال الاستراتيجي

يتوقف نجاح الصين وأوروبا في بناء جسر متين من العلاقات على قدرة كل طرف على تبديد مخاوف وشكوك الطرف الآخر، ويمكن أن يتحقق هذا الهدف عبر سلسلة من الأدوات وهي:

  1. النظر بعمق في المصالح المشتركة، وهي مصالح أكبر بكثير من حجم التجارة البينية التي تصل لنحو 915 مليار دولار سنوياً، فليس من مصلحة أوروبا والصين استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، فالمعروف أن التجارة الصينية تزدهر عندما يعمّ السلام والاستقرار، وليس الحروب والصراعات، كما أن أوروبا هي أكبر المتضررين من الحرب الروسية الأوكرانية على كافة المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية، كما يشكّل العمل الصيني الأوروبي المشترك في مجال الحفاظ على الكوكب وإنجاح مؤتمر «كوب 28» الذي سوف تستضيفه دولة الإمارات العربية في نوفمبر القادم، يشكل «هدف مشترك»، وإذا كانت العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي الذي لا يتجاوز 1.8 تريليون دولار تسببت في كل المشاكل الاقتصادية والتضخم الهائل الذي يعانيه العالم، فإن أوروبا والصين يدركان أن التعاون أفضل من التنافس والصراع، بل هناك في أوروبا من يقول إن الصين وحدها، هي الدولة الوحيدة في العالم القادرة على التأثير في القرار الروسي وإمكانية وقف الحرب في أوكرانيا.
  2. «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي، فغالبية الدول الأوروبية خاصة في وسط وغرب أوروبا ترغب أن تكون أكثر استقلالية عن الصين والولايات المتحدة، عندما يتعلق الأمر بالتنافس الصيني الأمريكي، فالحسابات الأوروبية تقول إن أوروبا يمكن أن تكون في «مهب الريح» لو انزلق التنافس الصيني الأمريكي إلى ساحة «الصراع الساخن» أو «حرب باردة جديدة»، وتتعمّق هذه الحسابات مع ما يطلق عليه بعض الأوروبيين «بالأنانية الأمريكية» التي تمثلت في بيع الغاز الأمريكي بأسعار فلكية خلال عام 2022، وهو ما هدد بنقل المصانع من أوروبا إلى الولايات المتحدة التي تقدم دعماً كبيراً للشركات الأمريكية في مجال الطاقة، بالإضافة إلى تذمر الكثير من الأوروبيين من الضغوط الأمريكية لزيادة نسبة الإنفاق العسكري الذي وصل بالفعل إلى 2% من الناتج القومي للدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، ما يقلل من رفاهية المواطن الأوروبي.
  3. نجاح دبلوماسية «الخطوط الساخنة» بين أوروبا والصين أكثر منها بين الصين والولايات المتحدة، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زار الصين 3 مرات في 2018 و2019، 2023، وكانت الزيارة الأخيرة بصحبة رئيسة المفوضية الأوروبية أوسولا فون ديرلاين، كما قام رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل بزيارة إلى الصين في الأول من ديسمبر الماضي، وقبلها بنحو شهر قام المستشار الألماني أولاف شولتز بزيارة للصين في 4 نوفمبر 2022، لكن على الجانب يرفض وزير الدفاع الصيني لقاء نظيره الأمريكي لويد أوستن، واكتفت الصين بزيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى بكين في يونيو الماضي.
  4. «الخلافات الأوروبية الأمريكية»، فالصين ترى في الملفات الخلافية بين أوروبا والولايات المتحدة فرصة لتعزيز العلاقات الصينية الأوروبية، وعدم اصطفاف الأوروبيين بجوار أمريكا في منافستها وصراعها مع الصين، وخاصة في القضايا التجارية التي تنطوي على خلافات كبيرة بين ألمانيا وفرنسا من جانب، والولايات المتحدة من جانب آخر، وتراقب الصين هذه الخلافات منذ عقود طويلة، فمثلاً دولة مثل فرنسا أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1964 أي قبل 15 عام من الولايات المتحدة التي أقامت علاقات دبلوماسية مع بكين في 1979.

خلافات وعقبات

رغم كل المساحات المشتركة بين الأوروبيين والصين إلا أن دائرة الخلافات بينهما زادت في الآونة الأخيرة مما يهدد بتآكل الكثير من الجسور بين الطرفين، ومن أهم الخلافات التي تعرقل تطوير العلاقات الصينية الأوروبية ما يلي:

أولاً: دعم روسيا بالسلاح، حيث تتهم المخابرات الأمريكية والغربية الشركات الصينية الحكومية بأنها تبيع كل شيء يدعم المجهود الحربي الروسي، ووصف أحد التقارير المساعدات العسكرية الصينية لروسيا بأنها تكفي لتسليح «جيش كامل» حسب وصف المخابرات المركزية الأمريكية، وترى الدول الأوروبية في هذا الأمر ضربة للأمن القومي الأوروبي، وإطالة لزمن الحرب في أوكرانيا وإخلال بالتعهدات العلنية الصينية بعدم دعم الجيش الروسي، كما أن أوروبا ما تزال تتذكر رفض الصين لإدانة دخول روسيا للأراضي الأوكرانية في 24 فبراير 2022، وينظر القادة الأوروبيون لهذا الدعم الصيني بأنه يقوّض صورة الصين لدى الأوروبيين كدولة لديها مسؤولية تجاه السلام والأمن العالم، إضافة إلى أن هذا الدعم العسكري الصيني لروسيا يعني أن ما تقدمه الصين يقف في وجه الأسلحة والمعدات التي تقدمها الدول الأوروبية لأوكرانيا.

ثانياً: «نظام القواعد أم القانون الدولي»، أكبر الخلافات السياسية بين الصين ودول الاتحاد الأوروبي تأتي بسبب نظرة كل طرف لما يجب أن يكون عليه العالم، فالدول الأوروبية مثلها مثل الولايات المتحدة تدعو ليل نهار للحفاظ على النظام العالمي القائم على «القواعد الغربية»، بينما تصطف الصين إلى جانب روسيا للدعوة لنظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على احترام القانون الدولي، وقواعد الأمم المتحدة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام النموذج التنموي لكل الشعوب.

ثالثاً: الناتو والحلفاء الآسيويون، فرغم عدم انضمام دول الاتحاد الأوروبي للتحالفات العسكرية ضد الصين في منطقة الإندو-باسيفك مثل تحالفات «الكواد الرباعي» و«الأوكوس» إلا أن سعي حلف الناتو الذي يضم 31 دولة منهم 23 دولة أعضاء في الاتحاد الأوروبي، يخلق حالة من «عدم اليقين» في العلاقات الصينية الأوربية، خاصة أن حلف دول شمال الأطلسي «الناتو» يستعد لأدوار أمنية في شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي، كما أن «حلف الناتو» منذ قمة مدريد في يونيو 2022 وهو يتحدث عن خطر الصين على أمن دول الحلف، ويزيد من الخلاف الصيني الأوروبي في الجانب الأمني هو دعم الاتحاد الأوروبي لليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، وكلها دول لها خلافات عميقة مع بكين.

رابعاً: «سياسة الصين واحدة»، فرغم الاعتراف العلني من دول الاتحاد الأوروبي بمبدأ «الصين واحدة»، ورغم أن دول الاتحاد الأوروبي لا تبيع أسلحة فتاكة إلى تايوان إلا أن الدول الأوروبية ترفض أي محاولة صينية لاستعادة الصين لتايوان بالقوة، كما نددت الدول الأوروبية بما تسميه محاولات الصين لترهيب تايوان عن طريق دخول الطائرات العسكرية الصينية إلى الأجواء التايوانية، ويتزامن هذا مع رفض الدول الأوربية لما تطلق عليه بروكسل سياسة «الإكراه الاقتصادي» و«التنمّر» للصين على جيرانها الآسيويين.

جسر للسلام أو الضحية الأولى

لا تلغي الخلافات الصينية الأوروبية حاجة كل طرف للآخر، وأن دخول الصين مع أمريكا في حروب باردة أو ساخنة لن يكون في صالح أوروبا، وهو ما يعزز «الرؤية الحكيمة» التي تقول إن بكين يمكن أن تكون «جسر للسلام» بين الغرب وروسيا، ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون العلاقات والمصالح الأوربية الصينية المشتركة «نموذج» في حل الخلافات بين الصين والولايات المتحدة، وذلك بالتركيز على أكثر من 690 مليار دولار هي حجم التجارة بين واشنطن وبكين، ثم تعزيز خطوط التواصل بين الطرفين حتى لا تسود «القناعات الخاطئة» عن كل طرف لدى الطرف الآخر، وكل هذا يقول إن أوروبا تستطيع أن تبني نموذجها الخاص في التعامل مع الولايات المتحدة والصين، حتى لا تكون «الضحية الأولى» لأي صراع صيني أمريكي.

[email protected]

المصدر: صحيفة الخليج

amazon.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى