
إفريقيا تتهيأ لخلع «العباءة الفرنسية»
د. أيمن سمير
شكلت نهاية الحروب النابليونية بداية جديدة للاستعمار الفرنسي في الخارج، والذي بدأ يتحول من الاستعمار في جنوب شرق آسيا إلى القارة الإفريقية الأقرب للأراضي الفرنسية، ونجحت فرنسا في استعمار نحو نصف القارة الإفريقية، عبر السيطرة على دول كثيرة في شمال ووسط وغرب وشرق القارة، مثل تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والسنغال ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وغينيا وغيرها.
لكن فرنسا لم تخرج كما خرجت باقي الدول المستعمرة من مستعمراتها السابقة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بل طورت باريس أدوات اقتصادية وثقافية عززت من بقائها وحضورها في المشهد الإفريقي، حيث تجني فرنسا سنوياً نحو 500 مليار دولار من إفريقيا، ومن أبرز تلك الأدوات «الفرنك الإفريقي» لدول وسط إفريقيا، و«الفرنك الإفريقي» لدول غرب إفريقيا، والذي تقوم فكرته على أن تودع الدول الإفريقية 50 % من احتياطياتها من «النقد الأجنبي» في البنك المركزي الفرنسي، كما أن اقتصاديات هذه الدول ترتكز على الشركات الفرنسية العملاقة، وتعتمد باريس على المواد الأولية التي تأتي لها من مستعمراتها السابقة، فعلى سبيل المثال يشكل اليورانيوم القادم من النيجر نحو 75 % من اليورانيوم الذي تستخدمه المفاعلات النووية الفرنسية في توليد الكهرباء، كما تراهن فرنسا والدول الأوروبية على وصول الغاز من نيجيريا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط في أنابيب تمر عبر أراضي النيجر
ورغم أن فرنسا حافظت على خصوصية في علاقاتها مع مستعمراتها الإفريقية طوال العقود الستة الماضية عبر السيطرة على النخب الإفريقية، ونشر اللغة الفرنسية، والقواعد العسكرية، وما يسمى «بالمجتمع الفرانكفوني»، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات إفريقية جادة للخروج من «العباءة الفرنسية» أو ما تطلق عليه باريس «الأبوية الفرنسية»، وظهر هذا بوضوح في إنهاء الوجود الفرنسي في مالي وبوركينا فاسو وغينيا، وإلغاء السلطات الجديدة في النيجر كل معاهدات «التعاون العسكري» مع باريس بما يهدد بخروج نحو 1500 جندي فرنسي من النيجر، وهي خطوة إضافية لما حدث في مالي المجاورة بعد فشل العملية العسكرية الفرنسية التي أطلق عليها «عملية سرفال» التي بدأت في عهد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند عام 2013، ثم فشل عملية «برخان» التي بدأت منذ عام 2014 وانتهت عام 2022 بخروج كل القوات الفرنسية من مالي.
وتكرر نفس السيناريو، عندما طلب إبراهيم تراوري الحاكم الجديد لبوركينا فاسو، التعامل مع روسيا بدلاً من فرنسا في الملفات الأمنية والعسكرية، وهي روح إفريقية جديدة تسعى للتخلص من النفوذ الفرنسي رغم محاولات باريس إصلاح علاقاتها مع الأفارقة، ففي عام 2007 أعلن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولاي ساركوزي رؤيته لإصلاح العلاقات مع إفريقيا، وسبق للرئيس ماكرون أن أعلن في فبراير من هذا العام استراتيجية جديدة للتعامل مع الأفارقة تقوم على تقليل عدد القواعد العسكرية، «وتقديم « المشورة الأمنية» لمكافحة الإرهاب بدلاً من إرسال الضباط والجنود، لكن التجاوب مع تلك الاستراتيجية لم يكن بالصورة التي توقعتها باريس…. فما هي حدود البقاء والزخم الفرنسي في إفريقيا ؟ وهل ستحل روسيا والصين محل النفوذ التاريخي لفرنسا ؟ وهل المقاربة التي يطرحها الحكام الجدد في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا يمكن أن تنتشر أكثر في دول الساحل والصحراء الإفريقية ؟
أدوات قديمة
أكثر الأسباب التي تقود لتضاؤل النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية أن باريس ما تزال تستخدم أدوات قديمة في ظل ظهور أجيال جديدة من القادة والشعوب الإفريقية ترفض« المقاربة الفرنسية» في كل شيء بداية من« التبعية الاقتصادية» وصولاً إلى«استراتيجيات مواجهة الإرهاب»، وساهمت الأدوات الفرنسية القديمة في إشعال الغضب الإفريقي من فرنسا، ومن الأدوات التي أثبتت فشلها في إفريقيا ما يلي:
أولاً:«الأبوية السياسية»، فما زالت باريس تقدم نفسها للدول الإفريقية ليس فقط باعتبارها المستعمر السابق، بل يتحدث الإليزيه دائماً باعتباره هو من يرسم مستقبل الأفارقة في السياسة والاقتصاد والأمن، لكن بعد مرور ما يزيد على 6 عقود من استقلال الدول الإفريقية خاصة في منطقة الساحل والصحراء، لم تجنِ الدول الإفريقية أي شيء، فدولة مثل النيجر التي تصل مساحتها لنحو 1.2 مليون كلم مربع، ويسكنها نحو 24 مليون نسمة لا يزيد دخل الفرد فيها على 400 دولار«سنوياً» وليس شهرياً، وهو ما يضعها في خانة الدول الأكثر فقراً في العالم، وتعود كل المكاسب على فرنسا، ومعروف أن النيجر تحصل على 3 % فقط من عائدات اليورانيوم الذي تبيعه لفرنسا، كما أن شركات استخراج النفط والمعادن الفرنسية والغربية لم تقدم أي إسهامات تنموية أو تشييد «بنية تحتية» حديثة في النيجر أو مالي أو بوركينا فاسو أو غيرها من الدول التي ظلت فرنسا تحتفظ معها بعلاقات واتفاقيات اقتصادية هائلة، ومنذ عام 2017 عندما تولى الرئيس ماكرون ولايته الأولى تحدثت باريس عن علاقات« متوازنة وشفافة ومسؤولة» مع مستعمراتها السابقة، لكن الأفارقة يقولون إنه لا جديد في هذه السياسة، وهو ما دفع الرئيس ماكرون للإعلان عن«استراتيجية جديدة» تجاه إفريقيا في 28 فبراير من العام الجاري.
ثانياً: «الرهان على النخب السياسية»، ظلت فرنسا طوال السنوات الماضية تراهن على «النخبة الإفريقية» وليس الشعوب الإفريقية، فباريس تمنح كل شيء للنخب الحاكمة من تعليم في أرقى الجامعات الفرنسية إلى التغاضي عن فساد تلك النخب وتغوّلها الاقتصادي، لكن بعد مرور كل تلك السنوات لم تعد النخب الإفريقية قادرة على الحفاظ على المصالح الفرنسية كما كان في العقود الماضية، وخير دليل على هذا هو خروج مظاهرات شعبية ضد فرنسا في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو وغينيا والكونجو الديمقراطية وغيرها، وهو ما يقول إن«الحاضنة الشعبية» التي تجاهلتها فرنسا منذ استقلال الدول الإفريقية هي من تصنع الفارق في توجهات دول الساحل والصحراء بعيداً عن فرنسا.
ثالثاً: «القواعد العسكرية واللغة الخشنة»، فرغم الحديث الفرنسي عن دعم الجيوش الوطنية الإفريقية، وإرسال الإليزيه آلاف الجنود إلا أن الوضع الأمني يزداد هشاشة كل يوم، فآلاف الجنود الفرنسيين لم ينجحوا في وقف التمرد في شمال مالي، كما لم يمنعوا الجماعات الإرهابية في السيطرة على غالبية الأراضي في بوركينا فاسو ومناطق شاسعة من النيجر ونيجيريا وبنين والكاميرون وغيرها، وهو ما دفع باريس للإعلان عن توجّه جديد لخفض عدد القوات الفرنسية في منطقة الساحل والصحراء من 5100 جندي فرنسي إلى نحو 2500 فقط، منهم 1500 في قواعد عسكرية في النيجر يمكن أن يخرجوا في أي وقت بعد طلب «المجلس الوطني من أجل الوطن» الحاكم في النيجر بإنهاء كل الاتفاقيات العسكرية مع فرنسا.
رابعاً: تجاهل«القوه الناعمة»؛ فرغم أن فرنسا توصف بأنها من الدول الكبار في الاستفادة من القدرات الناعمة مثل اللغة الفرنسية، إلا أن العقود الثلاثة الأخيرة شاهدة على تراجع القوة الناعمة الفرنسية في إفريقيا، بما فيها اللغة الفرنسية التي بدأت الأجيال الإفريقية الجديدة تشيح بوجهها إلى اللغات الأخرى، كما يشكو الأفارقة من تراجع عدد المنح وتأشيرات الدراسة التي كانت تمنحها فرنسا للطلاب الأفارقة، فضلاً عن التراجع الفرنسي في دعم الرياضة الإفريقية التي كانت من أهم أوراق فرنسا في القارة الشابة
خامساً: التدخلات العسكرية، يقول الكثير من الأفارقة إن فرنسا ومنذ عام 1958، وعصر الجنرال شارل ديجول انتهجت فرنسا سياسة «التدخلات العسكرية» لصالح فريق ضد فريق آخر، وأن باريس تدخلت عسكرياً بشكل كامل أو جزئي أكثر من 25 مرة في القارة الإفريقية، وهو ما أدى في النهاية لتصوير فرنسا بالدولة التي تعمل ضد خيارات ومصالح الشعوب الإفريقية.
ثمار لكنها مُرّة
كان من نتيجة عدم تغيير الأدوات الفرنسية في المنطقة أن ظهرت بعض الأمراض السياسية التي تعانيها الكثير من الدول الإفريقية، ومنها:
- الانقلابات العسكرية، التي بلغت 7 انقلابات في آخر 3 سنوات في منطقة الساحل والصحراء، وهناك تخوف أن يمتد داء الانقلابات العسكرية إلى باقي دول الساحل والصحراء، ويشكل هذا الهاجس الدافع الأول وراء تحركات مجموعة «إيكواس» التي تضم 15 دولة للتدخل العسكري في النيجر بهدف واحد، وهو توصيل رسالة لم يفكر في القيام بانقلاب جديد بأن عصر الانقلابات العسكرية قد انتهى، لكن خيار التدخل العسكري محفوف بالمخاطر نظراً لمعارضة دول الكثير من دول جوار النيجر السبع للخيار العسكري، وهم تشاد ومالي والجزائر وبوركينا فاسو، فضلاً عن معارضة برلمان التي لها أكبر جيش في المنطقة لهذه الخطوة.
- «التنظيمات الإرهابية»، فرغم أن فرنسا تقول إنها تحارب الجماعات الإرهابية في إفريقيا وتساعد الجيوش الإفريقية على دحر الإرهاب، إلا أن الكثير من أبناء القارة يتهمون فرنسا بأنها تدعم الجماعات الإرهابية، وتوفر لهم بيئة من الفوضى لنشر أفكارهم المتطرفة، ويستدل هؤلاء على صحة موقفهم بأن وتيرة انتشار الجماعات الإرهابية في إفريقيا هي الأعلى في العالم، بل باتت إفريقيا هي الملاذ الآمن الأول لكل أنواع الجماعات التكفيرية والظلامية في العالم، ولهذا تُسرّب الإرهابيين من ليبيا إلى دول الساحل والصحراء، بل ووصلوا إلى مناطق بعيدة مثل كل دول الساحل الغربي لإفريقيا، وبعض الدول في منطقة البحيرات، وحتى أوغندا وموزامبيق، كما أن ضحايا الإرهاب في إفريقيا هي الأعلى في العالم وفق مؤشر الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2022.
- «ظهور المنافسين والخيارات الجديدة»، فأكبر الخسائر التي ترتبت على تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا، هو ظهور «منافسين جدد» مثل الولايات المتحدة التي أسست «قوة أفريكم» في الأول من أكتوبر عام 2007، كما يتهافت الأفارقة على التعاون مع الصين التي أصبحت الشريك التجاري الأول لأفريقيا، فضلاً عن قناعة الأفارقة بان «الشراكة الأمنية والعسكرية» مع روسيا أفضل بكثير من فرنسا، ولهذا كل المظاهرات التي خرجت مؤخراً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا كانت ترفع الأعلام الروسية.
امتحان قاس
المؤكد أن نفوذ فرنسا في إفريقيا يتعرض لامتحان قاسٍ، فهل تطور فرنسا أدواتها وأهدافها في إفريقيا ؟ أم أن زمن إصلاح العلاقات الباريسية مع إفريقيا انتهى بلا رجعة.
[email protected]




