كل يوم جديد هو تحدٍّ في حياة المرأة العاملة، يبدأ لحظة استيقاظها، ولا يتوقف إلا حين يلجأ الأولاد إلى أسرّتهم للنوم بأمان، فهي المسؤولة الأولى في حياة الأسرة، يدعمها الرجل فيجعل خطاها أكثر ثقة وثباتاً، وتدعمه فتجعل حياته أكثر تميزاً. ولأن عملها لم يعد خياراً شخصياً بل أضحى حاجة اجتماعية وأسرية ملحة، لتؤدي دورها في مجتمعها، ودورها في دعم أسرتها، بات لزاماً على المؤسسات وجهات العمل دعمها في تحمل مسؤوليتها، وهذا ما أضحت ترحب به الكثير من جهات العمل متفهمة تغير المفاهيم والأولويات في حياتنا المعاصرة ولا سيما في جائحة كورونا التي قلبت كل الموازيين.

فالمرأة هي الشريكة التي تسعى جاهدة لتلحق بحلم تحقيق التوازن بين العمل والمنزل، فلا تسمح لنفسها بالتقصير في أي مكان. وحققت مبادرة «العمل عن بعد» لها العديد من الفوائد إذ أعادت للأم دورها وحققت لها التوازن المنشود على الصعد كافة، سواء في عملها أو في محيط أسرتها، بالإضافة إلى إتاحة الوقت الكافي لتحقيق طموحها في مجال ريادة الأعمال.

وكشفت شمسة صالح المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للمرأة أن العديد من رائدات الأعمال من النساء تمكنّ من إطلاق وإنجاح مشاريعهن الصغيرة والمتوسطة في أزمة «كوفيد – 19»، بسبب تطبيق نظام العمل عن بعد، إذ شجع وأتاح النظام لهن الفرصة والوقت الكافي لإطلاق وإدارة مشاريعهن ولا سيما المتعلقة بـ«التجارة الإلكترونية» إذ إن الأزمة دفعت الكثير من المستهلكين إلى اللجوء إلى التسوق الإلكتروني إجراء احترازياً وتطبيقاً لمبدأ التباعد الاجتماعي تجنباً لنشر العدوى بفيروس كورونا، ما ساهم في إنعاش ورفع نسبة المبيعات عبر التسوق الإلكتروني.

وأكدت أن نظام العمل عن بعد وفر فرصاً إبداعية لرائدات الأعمال وساعدهن على الترويج لمنتجاتهن وخدماتهن، وشجع الكثير من الإماراتيات على دخول قطاعات الأعمال والتجارة والتصنيع، لتعزيز مساهمتهن في عملية التنمية المستدامة في الدولة.

وأشارت شمسة صالح إلى أن هناك فوائد اقتصادية ستعود على الدولة والمجتمع من هذا النظام مثل تقليل التكلفة التشغيلية لجهات العمل، فضلاً عن الحد من الازدحام المروري الذي يسبب ضغوطاً ومعاناة نفسية يومية بسبب القلق والتوتر والانفعال العصبي.

وقالت: إن هناك ظروفاً تحتم على المرأة الوجود خارج الدولة سواء لمرافقة مريض أو مرافقة الزوج سواء للعمل أو الدراسة، ومع نظام العمل عن بعد لم تعد هناك حاجة للحصول على إجازات طويلة أو الاستغناء عن الموظفة لهذه الأسباب طالما أن عملها يمكن تقديمه عن بعد.

وأكدت أن معيار ومقياس جودة العمل هو الإنتاجية سواء كان العمل عن قرب أو عن بعد وليس بعدد ساعات العمل التي يقضيها الموظف في جهة عمله، مؤكدة أن الإدارة بالنتائج هي من أفضل أنواع الإدارة الحديثة.

ولفتت إلى أن العصر يتجه نحو اعتماد بعض الوظائف للعمل عن بعد ليس في الأزمات فقط وإنما أسلوب حياة مستداماً لتحقيق العديد من المزايا والفوائد، وتماشياً مع الخطة التنموية الشاملة للإمارات في الـ50 عاماً المقبلة.

وتابعت: إن دولة الإمارات تأتي في مقدمة أكثر من 14 جهة مانحة تدعم مبادرة تمويل رائدات الأعمال، لتعزيز أثرها الإيجابي في زيادة فرص حصولهن على التمويل ودخول الأسواق.

وأفادت المهندسة عزة سليمان عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي، الأمين العام المساعد للشؤون الإدارية والمالية للجنة الأولمبية الوطنية مدير البرنامج الوطني للمشاريع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة بوزارة الاقتصاد، بأن دولة الإمارات العربية المتحدة الثانية عالمياً في نسبة رواد الأعمال إلى إجمالي عدد السكان، كما أنها الخامسة عالمياً في مؤشر السياق الوطني لريادة الأعمال.

وأكدت أن حكومة الإمارات تحرص دائماً على المراكز الأولى والمراكز المتقدمة عالمياً في مختلف المجالات وخصوصاً في هذا القطاع الحيوي والمهم.

وقالت: احتفلت الدولة مؤخراً بتحقيق المركز الأول على مستوى الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا في تقرير «المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2021»، الصادر عن البنك الدولي، بفضل التوجيهات والدعم المستمر من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية «أم الإمارات».

وأضافت عزة سليمان: اختارت الأمم المتحدة شعار «المرأة في الصفوف القيادية لتحقيق مستقبل من المساواة في عالم كوفيد – 19» للاحتفاء بالجهود الهائلة التي تبذلها المرأة والفتاة في كل أرجاء العالم في سبيل تشكيل مستقبل ينعم بمزيد المساواة والتعافي الأفضل من جائحة «كوفيد – 19» وهو ما ينسجم مع الحملة العالمية «أختار التحدي» التي تدعو المرأة لتحدي الصعاب والتحديات. وأوضحت أن ريادة الأعمال واجهت تحديات في ظل تأثيرات جائحة كورونا ولكن الجهود الحكومية والدعم اللامحدود من القيادة الرشيدة ساهما إلى حد كبير في تجاوزها وتمكين رواد الأعمال وأصحاب الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة من تجاوز العقبات التي أفرزتها الجائحة العالمية، والتعافي منها واستعادة النشاط مرة أخرى.

فايزة عبد الرب موظفة في حكومة دبي وأم تحاول أن توازن بين عملها وأسرتها، ولديها ابن يبلغ من العمر خمس سنوات كان يعاني صعوبات وتأخراً في النطق، ورغم محاولاتها المستميتة لعلاجه لدى أخصائيي النطق إلا أن معظم الأطباء أكدوا لها أن السبب يعود لعدم توافر الوقت الكافي للجلوس مع الطفل والحديث معه، وعدم سماع الطفل للأصوات والكلمات، وعدم تدريبه على اللفظ، وكلها عوامل تؤخر نطقه.

وقالت: بعد أن بدأت الجائحة وأطلقت مبادرة «العمل عن بعد» من المنزل توفر لدي الوقت الكافي لأمنحه جزءاً أطول من وقتي وأشاركه اللعب والهوايات، ولاحظت تحسناً لافتاً في النطق خلال 3 أشهر فقط، حتى شفي تماماً.

ولم يكن ابنها الثاني البالغ من العمر 10 سنوات بأفضل من أخيه فقد كان يعاني هو الآخر من صعوبة في التعلم والقراءة وبفضل الله تحسن هو الآخر بسبب تخصيص وقت أطول تقضيه والدته معه يومياً مع تشجيعها المستمر له.

لم تجنِ فايزة هذه الفائدة فقط وإنما لمس رؤساؤها في العمل تحسن نسبة الرضاء والولاء الوظيفي، بسبب العمل من المنزل الذي ساهم كذلك في رفع نسبة إنتاجيتها، والأهم أنها استطاعت أن تحقق أحلامها وطموحها في إطلاق مشروعها الخاص الذي بدأت التخطيط له في عام 2018 وتمكنت من تنفيذه العام الماضي في فترة الحجر الصحي، وإدارته بشكل جيد والعمل على تطويره باستمرار.

ويتمثل مشروع فايزة بتنظيم الفعاليات التي تعدها فناً من الفنون التي تمارسها بشغف وتستمتع بكل تفاصيلها بلمسة زر.

أكد خبراء نفسيون أن عمل الأم من المنزل يعزز التوازن النفسي لدى الأبناء، إذ قال الدكتور جاسم المرزوقي استشاري العلاج النفسي إنه لا شك في أن المرأة أصبحت مطالبة بأن تستفيد من تقدير القيادة الرشيدة لها بالعمل الجاد وإثبات الذات جنباً إلى جنب مع أخيها الرجل وهذه فرصة ثمينة لأن تظهر المرأة قدراتها لتشارك مشاركة فعالة في التنمية المستدامة التي تساهم في حل مشكلات مجتمعها بعقلانية تؤمن استقراراً نفسياً وأسرياً ومجتمعياً.

وأوضح أن وجود الأم في حياة الأبناء أيضاً مهم من ناحية تعزيز الجانب العاطفي والبناء والتوازن النفسي للأطفال، ولا سيما في الـ7 سنوات الأولى من أعمارهم، لما له من انعكاسات إيجابية على بناء شخصية قوية ورصينة للأبناء قادرة على مواجهة تحديات الحياة.

وأضاف المرزوقي: إنه لا بد من تحقيق التوازن بين العمل والبيت مشيراً إلى أن بعض النساء العاملات تركت كامل مسؤولية الأبناء للخادمات ولم يعد لديها القدرة على القيام بمسؤولياتها وواجباتها تجاههم، غير عابئة بأن تقديم الرعاية والعناية للأبناء في سن مبكرة ينعكس على تشكيل شخصيتهم مستقبلاً ويخرج للمجتمع شباباً وفتيات قادرات على قيادة تنمية ونهضة الوطن.

وقال إن بعض الأمهات العاملات اللواتي راجعن عيادته قبل الجائحة يشكين من بعض السلوكيات السلبية في شخصية الأبناء أو معاناتهم من بعض الصعوبات سواء في النطق وغيره، وتحسنت الحالات كثيراً وبعضها شفي تماماً بعد انطلاق نظام «العمل عن بعد».

وقال الخبير النفسي محمد علي خير الله: إن المرأة الإماراتية وصلت إلى أعلى مستويات التميز والنجاح، وتعزيز مشاركتها في ترسيخ مكانة الإمارات نموذجاً يحتذى به للنمو والريادة والتطور. وأضاف إن معظم الدراسات تركز على أهمية الحفاظ على علاقة سليمة بالأم، ولكنها لم تهتم بالعلاقات الاجتماعية الأخرى داخل الأسرة، والتي يأتي على رأسها العلاقة بين الأب وصغيره، وبقية أفراد الأسرة من حوله.

تابعوا أخبار الإمارات من البيان عبر غوغل نيوز

المصدر : https://www.albayan.ae/uae/news/2021-04-26-1.4149998